ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
52
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
ومما يجري هذا المجرى ورود لام التوكيد في الكلام ، ولا يجيء ذلك إلا لضرب من المبالغة ، وفائدته أنه إذا عبر عن أمر يعزّ وجوده أو فعل يكثر وقوعه جيء باللام تحقيقا لذلك . فمما جاء منه قوله تعالى في أول سورة المنافقين : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فانظر إلى هذه اللامات الثلاثة الواردة في خبر إنّ ، والأولى وردت في قول المنافقين ، وإنما وردت مؤكدة لأنهم أظهروا من أنفسهم التصديق برسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتملّقوا ، وبالغوا في التملق ، وفي باطنهم خلافه ، وأما ما ورد في الثانية والثالثة فصحيح لا ريب فيه ، والسلام في الثانية لتصديق رسالته ، وفي الثالثة لتكذيب المنافقين فيما كانوا يظهرونه من التصديق الذين هم على خلافه . وكذلك ورد قوله تعالى في سورة يوسف عليه السلام : قالوا يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون فإنه إنما جيء باللام هاهنا لزيادة التوكيد في إظهار المحبة ليوسف عليه السلام والإشفاق عليه ؛ ليبلغوا الغرض من أبيهم في السماحة بإرساله معهم . ومن هذا الباب قوله تعالى : أفرأيتم ما تحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون ثم قال : أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجا فلو لا تشكرون ألا ترى كيف أدخلت اللام في آية المطعوم دون آية المشروب ! وإنما جاءت كذلك لأن جعل الماء العذب ملحا أسهل إمكانا في العرف والعادة والموجود من الماء الملح أكثر من الماء العذب ، وكثيرا ما إذا جرت المياه العذبة على الأراضي المتغيرة التربة أحالتها إلى الملوحة فلم يحتج في جعل الماء العذب ملحا إلى زيادة تأكيد ، فلذلك لم تدخل عليه لام التأكيد المفيدة زيادة التحقيق ، وأما المطعوم فإن جعله حطاما من الأشياء الخارجة عن المعتاد ، وإذا وقع فلا يكون إلا عن سخط من اللّه شديد ، فلذلك قرن بلام التأكيد زيادة في تحقيق أمره وتقريره إيجاده .